إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
886
زهر الآداب وثمر الألباب
في هذا الباب ؛ فبينهم في الغربة أعوان كما انفرج المشط ، وفى العطلة إخوان كما انتظم السّمط ، حتى إذا لحظهم الجدّ لحظة حمقاء بمنشور عمالة ، أوصك جعالة ؛ عاد عامر مودتهم خرابا ، وانقلب شراب عهدهم سرابا ، فما اتّسعت دورهم إلا ضاقت صدورهم ، ولا علت قدورهم إلا خبت بدورهم ، ولا علت أمورهم إلا أسبلت ستورهم ، ولا أوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم . ولا هملجت عتاقهم إلا فظعت أخلاقهم ، ولا صلحت أحوالهم ، إلا فسدت أفعالهم ، ولاكثر مالهم ، إلا قلّ جمالهم ، وعزّ معروفهم ، وورمت أنوفهم « 1 » ، حتى إنهم ليصيرون على الإخوان مع الخطوب خطبا ، وعلى الأحرار مع الزمان ألبا . قصارى أحدهم من المجد أن ينصب تحته تخته ، وأن يوطئ استه دسته ، وحسبه من الشرف دار يصهرج أرضها ، ويزخرف بعضها ، ويزوّق سقوفها ، ويعلَّق شفوفها « 2 » ، وناهيه من الشرف أن تغدو الحاشية أمامه ، وتحمل الغاشية قدّامه ، وكفاه من الكرم ألفاظ فقاعية « 3 » ، وثياب قداعية ، يلبسها ملوما ، ويحشوها لوما ، وهذه صفة أفاضلهم . ومنهم من يمنحك الودّ أيام خشكاره حتى إذا أخصب جعل ميزانه وكيله ، وأسنانه أكيله ، وأنيسه كيسه ، وأليفه رغيفه ، وأمينه يمينه ، ودنانيره سميره ، وصندوقه صديقه ، ومفتاحه ضجيعه ، وخاتمه خادمه ، وجمع الدرّة إلى الدرّة ، ووضع البدرة على البدرة ، فلم تقع القطرة من طرفه ، ولا الدرة من كفّه ؛ ولا يخرج ماله عن عهدة خاتمه ، إلى يوم مأتمه ، وهو يجمع لحادث حياته ، أو وارث وفاته ؛ يسلك في الغدر كلّ طريق ، ويبيع بالدرهم ألف صديق ؛ وقد كان الظنّ بصديقنا أبي سعيد - أيده اللَّه تعالى - أنه إذا أخصب آوانا كنفا من ظلَّه ، وحبانا من فضله ، فمن لنا الآن بعدله ؟ إنه - أطال اللَّه بقاءه - حين طارت إلى أذنه عقاب المخاطبة بالوزير ، وجلس من الديوان في صدر الإيوان
--> « 1 » ورم أنف فلان : كناية عن إظهاره الكبر ( م ) « 2 » الشفوف : جمع شف - بالكسر - وهو رقيق الثياب ( م ) « 3 » فقاعية : ذات تشدق